محمد عبد الله دراز

280

دستور الأخلاق في القرآن

الآلاف المؤلفة من شواغل الحياة اليومية الّتي تصرفنا عن هذه الأمور العلوية أليست عذرا بالنسبة لنا ؟ . إنّ هذه الحجّة سوف تكون أكثر قبولا إذا ما استشهدت بضعف سلطاننا الأخلاقي . وهل كانت العقائد الزّائفة ، والعادات السّيئة الموروثة سوى طبقات سميكة تغلف ، وتحجب بصائرنا ؟ . . . فمن أجل استباق هذا الاعتراض المزدوج أراد اللّه سبحانه أن يقوي أنوارنا الفطرية بأنوار الوحي المنزل : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ « 1 » . والحقيقة أنّ اللّه سبحانه أوجب على نفسه أن يعلم النّاس قبل أن يحملهم مسئوليتهم ، لأنّه يرى من الظّلم تعذيب القرى الّتي تغفل عن واجباتها ، لأنّها لم تعرفها : ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ « 2 » ، وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ « 3 » . ولكن إذا كان الأمر كذلك ، أعني إذا كان يكفي مجرد الغفلة الطّارئة ، سواء أكانت نقص انتباه ، أو استعصاء عادات ، لكي نعلن عدم مسؤولية أناس أسوياء بصورة كاملة ، وإذا كانت العدالة الإلهية قد التزمت بإيقاظهم أوّلا من سباتهم بوساطة تعليم إيجابي ، فما القول إذن في الضّمائر الّتي ما زالت غائبة أو محجوبة كلية بحوادث طبيعية ؟ . ألا يجدر بالأحرى أن ننتظر انتباهها ، أو يقظتها العادية ،

--> ( 1 ) الأعراف : 172 - 173 . ( 2 ) الأنعام : 131 . ( 3 ) الشّعراء : 208 - 209 .